محمد بن جرير الطبري

172

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

وفيهم حكيم . القول في تأويل قوله تعالى : وَوَهَبْنا لَهُ إِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ كُلًّا هَدَيْنا وَنُوحاً هَدَيْنا مِنْ قَبْلُ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ داوُدَ وَسُلَيْمانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسى وَهارُونَ وَكَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ يقول تعالى ذكره : فجزينا إبراهيم صلى الله عليه وسلم على طاعته إيانا وإخلاصه توحيد ربه ، ومفارقته دين قومه المشركين بالله بأن رفعنا درجته في عليين ، وآتيناه أجره في الدنيا ووهبنا له أولادا خصصناهم بالنبوة ، وذرية شرفناهم منا بالكرامة وفضلناهم على العالمين ، منهم ابنه إسحاق ، وابن ابنه يعقوب . كُلًّا هَدَيْنا يقول : هدينا جميعهم لسبيل الرشاد ، فوفقناهم للحق والصواب من الأديان . وَنُوحاً هَدَيْنا مِنْ قَبْلُ يقول : وهدينا لمثل الذي هدينا إبراهيم وإسحاق ويعقوب من الحق والصواب فوفقناه له ، نوحا من قبل إبراهيم وإسحاق ويعقوب . وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ داوُدَ والهاء التي في قوله : وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ من ذكر نوح ، وذلك أن الله تعالى ذكر في سياق الآيات التي تتلو هذه الآية لوطا ، فقال : وَإِسْماعِيلَ وَالْيَسَعَ وَيُونُسَ وَلُوطاً وَكلًّا فَضَّلْنا عَلَى الْعالَمِينَ ومعلوم أن لوطا لم يكن من ذرية إبراهيم صلى الله عليهم أجمعين . فإذا كان ذلك كذلك ، وكان معطوفا على أسماء من سمينا من ذريته ، كان لا شك أنه لو أريد بالذرية ذرية إبراهيم لما دخل يونس ولوط فيهم ، ولا شك أن لوطا ليس من ذرية إبراهيم ولكنه من ذرية نوح ، فلذلك وجب أن تكون الهاء في " الذرية " من ذكر نوح . فتأويل الكلام : ونوحا وفقنا للحق والصواب من قبل إبراهيم وإسحاق ويعقوب ، وهدينا أيضا من ذرية نوح داود وسليمان . وداود : هو داود بن إيشا . وسليمان هو ابنه سليمان بن داود وأيوب هو أيوب بن موص بن روح بن عيص بن إسحاق بن إبراهيم . ويوسف : هو يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم . وموسى : هو موسى بن عمران بن يصهر بن قاهث بن لاوي بن يعقوب . وهارون : أخو موسى . وَكَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ يقول تعالى ذكره : جزينا نوحا بصبره على ما امتحن به فينا بأن هديناه فوفقناه لإصابة الحق الذي خذلنا عنه من عصانا فخالف أمرنا ونهينا من قومه ، وهدينا من ذريته من بعده من ذكر تعالى ذكره من أنبيائه لمثل الذي هديناه له . وكما جزينا هؤلاء بحسن طاعتهم إيانا وصبرهم على المحن فينا ، كذلك نجزي بالإحسان كل محسن . القول في تأويل قوله تعالى : وَزَكَرِيَّا وَيَحْيى وَعِيسى وَإِلْياسَ كُلٌّ مِنَ الصَّالِحِينَ . يقول تعالى ذكره : وهدينا أيضا لمثل الذي هدينا له نوحا من الهدى والرشاد من ذريته زكريا بن أزن بن بركيا ويحيى بن زكريا ، وعيسى ابن مريم ابنة عمران بن أشيم بن أمور بن حزقيا ، وإلياس . واختلفوا في إلياس ، فكان ابن إسحاق يقول : هو إلياس بن يسى بن فنحاص بن العيزار بن هارون بن عمران ابن أخي موسى نبي الله صلى الله عليه وسلم . وكان غيره يقول : هو إدريس ؛ وممن ذكر ذلك عنه عبد الله بن مسعود . حدثنا محمد بن بشار ، قال : ثنا أبو أحمد ، قال : ثنا إسرائيل ، عن أبي إسحاق ، عن عبيدة بن ربيعة ، عن عبد الله بن مسعود ، قال : إدريس : هو إلياس ، وإسرائيل : هو يعقوب . وأما أهل الأنساب فإنهم يقولون : إدريس جد نوح بن لمك بن متوشلخ بن أخنوخ ؛ وأخنوخ : هو إدريس بن يرد بن مهلائيل . وكذلك روي عن وهب بن منبه . والذي يقول أهل الأنساب أشبه بالصواب ، وذلك أن الله تعالى نسب إليه في هذه الآية إلى نوح وجعله من ذريته ؛